فصل: من معجزاته صلى الله عليه وسلم

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: سيرة ابن هشام المسمى بـ «السيرة النبوية» **


 قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

 قريش تحذره من استماعه للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما يرى من قومه ، يبذل لهم النصيحة ، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه ‏‏.‏‏ وجعلت قريش ، حين منعه الله منهم ، يحذّرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب ‏‏.‏‏

وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث ‏‏:‏‏ أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له ‏‏:‏‏ يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنَّه ولا تسمعنّ منه شيئا ‏‏.‏‏

 استماعه لقول قريش ، ثم عدوله و سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ‏‏:‏‏ فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فَرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فسمعت كلاما حسنا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت في نفسي ‏‏:‏‏ واثُكْل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ‏‏!‏‏ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ‏‏.‏‏

 إسلام الطفيل

قال ‏‏:‏‏ فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت ‏‏:‏‏ يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، للذي قالوا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يُسمعني قولك ، فسمعته قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا علي القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وقلت ‏‏:‏‏ يا نبي الله ، إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم ، وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه ، فقال ‏‏:‏‏ اللهم اجعل له آية ‏‏.‏‏

 آية للطفيل ليصدقه قومه

قال ‏‏:‏‏ فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بِثنيَّة تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيّ مثل المصباح ؛ فقلت ‏‏:‏‏ اللهم في غير وجهي ، إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فتحول فوقع في رأس سوطي ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية ، قال ‏‏:‏‏ حتى جئتهم فأصبحت فيهم ‏‏.‏‏

 إسلام والد الطفيل

قال ‏‏:‏‏ فلما نزلت أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا ، قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ إليك عني يا أبت ، فلست منك ولست مني ؛ قال ‏‏:‏‏ ولم يابني ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قال ‏‏:‏‏ أي بني ، فديني دينك ؛ قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما عُلِّمت ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فذهب فاغتسل ، وطهر ثيابه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم جاء فعرضت عليه الإسلام ، فأسلم ‏‏.‏‏ ‏

 دعوته زوجه إلى الإسلام

قال ‏‏:‏‏ ثم أتتني صاحبتي ، فقلت ‏‏:‏‏ إليك عني ، فلست منك ولست مني ؛ قالت ‏‏:‏‏ لم ‏‏؟‏‏ بأبي أنت وأمي ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ قد فرق بيني وبينك الإسلام ، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قالت ‏‏:‏‏ فديني دينك ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ فاذهبي إلى حِنا ذي الشَّرى - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ حمى ذي الشرى - فتطهري منه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وكان ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحمى حمى حموه له ، وبه وَشَل من ماء يهبط من جبل ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقالت ‏‏:‏‏ بأبي أنت وأمي ، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ لا ، أنا ضامن لذلك ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام ، فأسلمت ‏‏.‏‏

دعوته قومه إلى الإسلام ، و ما كان منهم ، و لحاقهم بالرسول صلى الله عليه و سلم

ثم دعوت دوسا إلى الإسلام ، فأبطئوا علي ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا نبي الله ، إنه قد غلبني على دوس الزنا ، فادع الله عليهم ؛ فقال ‏‏:‏‏ اللهم اهد دوسا ، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فأَسْهم لنا مع المسلمين ‏‏.‏‏

ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا فتح الله عليه مكة ، قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، ابعثني إلى ذي الكفين ، صنم عمرو بن حممة حتى أُحرقه ‏‏.‏‏

 إحراق صنم ذي الكفين

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فخرج إليه ، فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول ‏‏:‏‏

يا ذا الكفين لست من عُبَّادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوتُ النار في فؤادكا *

 جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته

قال ‏‏:‏‏ ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ فلما ارتدت العرب ، خرج مع المسلمين ، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ، ومن أرض نجد كلها ‏‏.‏‏ ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل ، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة ، فقال لأصحابه ‏‏:‏‏ إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي ، رأيت أن رأسي حُلق ، وأنه خرج من فمي طائر ، وأنه لقيتْني امرأة فأدخلتني في فرجها ، وأرى ابني يطلبني حثيثا ، ثم رأيته حُبس عني ؛ قالوا ‏‏:‏‏ خيرا ؛ قال ‏‏:‏‏ أما أنا والله فقد أولتها ؛ قالوا ‏‏:‏‏ ماذا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أما حَلْق رأسي فوضعه ؛ وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي ؛ وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي ، فأُغيَّب فيها ؛ وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني ، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني ‏‏.‏‏ فقُتل رحمه الله شهيدا باليمامة ، وجُرح ابنه جراحة شديدة ، ثم استبل منها ، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدا ‏‏.‏‏ ‏

 قصة أعشى بني قيس بن ثعلبة

 قدومه على الرسول ومدحه

قال ابن هشام ‏‏:‏‏حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم ‏‏:‏‏ أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام ، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبتَّ كما بات السليم مُسهَّدا

وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم صُحبة مهددا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن * إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا

كهولا وشُبَّانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا

وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

وأبتذل العيس المراقيل تغتلي * مسافة ما بين النُّجير فصرخدا

ألا أيهذا السائلي أين يممتْ * فإن لها في أهل يثرب موعدا

فإن تسألي عني فيا رُب سائل * حفيّ عن الأعشى به حيث أصعدا

أجدَّت برجليها النجاء وراجعت * يداها خنافا لينا غير أحردا

وفيها إذا ما هجرت عجرفية * إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا

و آليت لا آوي لها من كلالة * ولا من حفى حتى تلاقي محمدا

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم * تراحي وتلقى من فواضله ندى

نبيا يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا

له صدقات ما تغب ونائل * وليس عطاء اليوم مانعه غدا

أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبى الإله حيث أوصى وأشهدا

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للموت الذي كان أرصدا

فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذنْ سهما حديدا لتفصدا

وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا

ولا تقربن حرة كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه * لعاقبة ولا الأسير المقيدا

وسبح على حين العشيات والضحى * ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا

ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا

 نهاية الأعشى

فلما كان بمكة أو قريبا منها ، اعترضه بعض المشركين من قريش ، فسأله عن أمره ، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم ؛ فقال له ‏‏:‏‏ يا أبا بصير ، إنه يحرم الزنا ؛ فقال الأعشى ‏‏:‏‏ والله إن ذلك الأمر ما لي فيه من أرب ؛ فقال له ‏‏:‏‏ يا أبا بصير ، فإنه يحرم الخمر ؛ فقال الأعشى ‏‏:‏‏ أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ، ثم آتيه فأسلم ‏‏.‏‏

فانصرف فمات في عامه ذلك ، ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ ‏

 أبو جهل يَذِلُّ للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد كان عدو الله أبو جهل بن هشام مع عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه ، وشدته عليه ، يذله الله له إذا رآه ‏‏.‏‏

 أبو جهل وأمر الإراشي الذي باعه الإبل

مماطلة أبي جهل الإراشي ، و استنجاده بقريش ، و استخفافهم بالرسول

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني عبدالملك بن عبدالله بن أبي سفيان الثقفي ، وكان واعية ، قال ‏‏:‏‏ قدم رجل من إراش - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ إراشة - بإبل له مكة ، فابتاعها منه أبو جهل ، فمطله بأثمانها ‏‏.‏‏ فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس ، فقال ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام ، فإني ‏ رجل غريب ، ابن سبيل ، وقد غلبني على حقي ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال له أهل ذلك المجلس ‏‏:‏‏ أترى ذلك الرجل الجالس - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يهزءون به لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذهب إليه فإنه يؤديك عليه ‏‏.‏‏

 الرسول ينصف الإراشي من أبي جهل

فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏‏:‏‏ يا عبدالله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله ، وأنا رجل غريب ابن سبيل ، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه ، يأخذ لي حقي منه ، فأشاروا لي إليك ، فخذ لي حقي منه ، يرحمك الله ؛ قال ‏‏:‏‏ انطلق إليه ، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قام معه ‏‏.‏‏ قالوا لرجل ممن معهم ‏‏:‏‏ اتبعه ، فانظر ماذا يصنع ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه ، فقال ‏‏:‏‏ من هذا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ محمد ، فاخرج إلي ، فخرج إليه ، وما في وجهه من رائحة ، قد انتقع لونه ، فقال ‏‏:‏‏ أعط هذا الرجل حقه ؛ قال ‏‏:‏‏ نعم ، لا تبرح حتى أعطيه الذي له ، قال ‏‏:‏‏ فدخل ، فخرج إليه بحقه ، فدفعه إليه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال للإراشي ‏‏:‏‏ الحق بشأنك ، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس ، فقال ‏‏:‏‏ جزاه الله خيرا ، فقد والله أخذ لي حقي ‏‏.‏‏

 ما خافه أبو جهل من رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ‏‏:‏‏ وجاء الرجل الذي بعثوا معه ، فقالوا ‏‏:‏‏ ويحك ‏‏!‏‏ ماذا رأيت ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ عجبا من العجب ، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه ، فخرج إليه وما معه روحه ، فقال له ‏‏:‏‏ أعط هذا حقه ، فقال ‏‏:‏‏ نعم ، لا تبرح حتى أخرج إليه حقه ، فدخل فخرج إليه بحقه ، فأعطاه إياه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء ، فقالوا له ‏‏:‏‏ ويلك ‏‏!‏‏ ما لك ‏‏؟‏‏ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط ‏‏!‏‏ قال ‏‏:‏‏ ويحكم ، والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي ، وسمعت صوته ، فملئت رعبا ، ثم خرجت إليه ، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ، ما رأيت مثل هامته ، ولا قصرته ، ولا أنيابه لفحل قط ، والله لو أبيت لأكلني ‏‏.‏‏

 أمر ركانة المطلبي ومصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم

من معجزاته صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، قال ‏‏:‏‏ كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف أشد قريش ، فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا ركانة ، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أفرأيت إن صرعتك ، أتعلم أن ما أقول حق ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فقم حتى أصارعك ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقام إليه ركانة يصارعه ؛ فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه ، وهو لا يملك من نفسه شيئا ، ثم قال ‏‏:‏‏ عد يا محمد ، فعاد فصرعه ، فقال ‏‏:‏‏ يا محمد ، والله إن هذا للعجب ، أتصرعني ‏‏!‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه ، إن اتقيت الله واتبعت أمري ؛ قال ‏‏:‏‏ ما هو ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ؛ قال ‏‏:‏‏ ادعها ، فدعاها ، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال لها ‏‏:‏‏ ارجعي إلى مكانك ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فرجعت إلى مكانها ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فذهب ركانة إلى قومه ، فقال ‏‏:‏‏ يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض ، فوالله ما رأيت أسحر منه قط ، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع ‏‏.‏‏

 قدوم وفد النصارى الذين أسلموا من الحبشة

 أبو جهل يحاول ردهم عن الإسلام ، و إخفاقه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بمكة ، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ؛ فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن ‏‏.‏‏

فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا لله ، وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ‏‏.‏‏ فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، فقالوا لهم ‏‏:‏‏ خيبكم الله من ركب ‏‏!‏‏ بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده ، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ، ما نعلم ركبا أحمق منكم ‏‏.‏‏ أو كما قالوا ‏‏.‏‏فقالوا لهم ‏‏:‏‏ سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نَأْلُ أنفسنا خيرا ‏‏.‏‏

 مواطنهم و ما نزل فيهم من القرآن

ويقال ‏‏:‏‏ إن النفر من النصارى من أهل نجران ، فالله أعلم أي ذلك كان ‏‏.‏‏ فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ‏‏.‏‏ وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ، إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله ‏‏(‏‏ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد سألت ابن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن ، فقال لي ‏‏:‏‏ ما أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه ‏‏.‏‏ والآية من سورة المائدة من قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ، وأنهم لا يستكبرون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فاكتبنا مع الشاهدين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تهكم المشركين بالمستضعفين ، وما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد ، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه ‏‏:‏‏ خباب ، وعمار ، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث ، وصهيب ، وأشباههم من المسلمين ، هزئت بهم قريش ، وقال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ هؤلاء أصحابه كما ترون ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق ‏‏!‏‏ لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه ، وما خصهم الله به دوننا ‏‏.‏‏

فأنزل الله تعالى فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ، أليس الله بأعلم بالشاكرين ‏‏.‏‏ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ، فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ‏الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 ادعاء المشركين على النبي أنه يعلمه بشر ، ورد القرآن عليهم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مَبْيَعة غلام نصراني ، يقال له ‏‏:‏‏ جبر ، عبد لبني الحضرمي ، فكانوا يقولون ‏‏:‏‏ والله ما يُعلِّم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني ، غلام بنى الحضرمي ‏‏.‏‏

فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يلحدون إليه ‏‏:‏‏ يميلون إليه ‏‏.‏‏ والإلحاد ‏‏:‏‏ الميل عن الحق ‏‏.‏‏

قال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

إذا تبع الضحاك كل ملحد *

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يعني الضحاك الخارجي ، وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏

 سبب نزول سورة الكوثر

نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان العاص بن وائل السهمي - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏‏:‏‏ دعوه ، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له ، لو مات لانقطع ذكره واسترحتم منه ، فأنزل الله في ذلك ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إنا أعطيناك الكوثر ‏‏)‏‏ ما هو خير لك من الدنيا وما فيها ‏‏.‏‏ والكوثر ‏‏:‏‏ العظيم ‏‏.‏‏

معنى الكوثر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ قال لبيد بن ربيعة الكلابي ‏‏:‏‏

وصاحب ملحوب فجعنا بيومه * وعند الرداع بيت آخر كوثر

يقول ‏‏:‏‏ عظيم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وصاحب ملحوب ‏‏:‏‏ عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، مات بملحوب ‏‏.‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وعند الرداع بيت آخر كوثر ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، مات بالرداع ‏‏.‏‏ وكوثر ‏‏:‏‏ أراد الكثير ‏‏.‏‏ ولفظه مشتق من لفظ الكثير ‏‏.‏‏ قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبدالملك بن مروان ‏‏:‏‏

وأنت كثير ياابن مروان طيب * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمار وحش ‏‏:‏‏ ‏

يحامي الحقيق إذا ما احتدمن * وحمحمن في كوثر كالجلال

يعني بالكوثر ‏‏:‏‏ الغبار الكثير ، شبهه لكثرته عليه بالجلال ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكوثر ما هو ‏‏؟‏‏ فأجاب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني جعفر بن عمرو - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هو جعفر ابن عمرو بن أمية الضمري - عن عبدالله بن مسلم أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن أنس بن مالك ، قال ‏‏:‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل له ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، ما الكوثر الذي أعطاك الله ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نهر كما بين صنعاء إلى أيلة ، آنيته كعدد نجوم السماء ، ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ يقول عمر بن الخطاب ‏‏:‏‏ إنها يا رسول الله لناعمة ؛ قال ‏‏:‏‏ آكلها أنعم منها ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ من شرب منه لا يظمأ أبدا ‏‏.‏‏

نزول ‏‏(‏‏ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ‏‏)‏‏

مقالة زمعة و صحبه ، و نزول هذه الآية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام ، وكلمهم فأبلغ إليهم ، فقال له زمعة بن الأسود ، والنضر بن الحارث ، والأسود بن عبد يغوث ، وأبي بن خلف ، والعاص بن وائل ‏‏:‏‏ لو جُعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويُرى معك ‏‏!‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ، وللبسنا عليهم ما يلبسون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏